هشام جعيط

331

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

فهي إذن ثمرة لإرادة السلطة الأموية في العراق - بمعنى إرادة الحجاج - في التخلي عن البيئة العربية المحيطة به ، وإنشاء مقر للحكم والاحتلال أو نحوه ، في محيط معاد . الواقع أن واسط قامت إلى جانب حاضرة أهلية قديمة هي كسكر ، وحافظت على تميزها فأنشئت على شاطىء دجلة الغربي ، في حين أن المدينة القديمة كانت تقع إلى الشرق . إنما جرى الإبقاء على ما كان من صلة بينهما ، فشيد جسر من المراكب ، وثبتت وحدة المدينة بتمامها شيئا فشيئا - أي المدينة القديمة والجديدة - وتراكبت هكذا على النهر كما كان الأمر في بابل « 1 » . على أن مدينة الحجاج حافظت مدة على ذاتيتها التي كان السور يرمز إليها ويجسمها « 2 » . ولم يكن للمدينة الجديدة إلا أن تأخذ بعين الاعتبار التجربة الحضرية التي استوعبها العرب بوادي الرافدين . كان جهد البناء هاما ، وقد تجاوز المحاولات الأولية وهيأ للأعمال الكبرى الأولى في العمارة العربية التي سيدشّنها الوليد . ولقد أتى هذا المجهود في فترة تأكيد الذات في الميدان الفني ، في فترة تحول طرأ على الحضارة العربية الباحثة عن أسلوب لها ، ومجد تسجله على الحجر أو الآجر . فظهرت القبة الخضراء المعروفة « 3 » التي قلدها المنصور فكانت حدثا فنيا مع أن قبة الصخرة سبقتها في الوجود . هذا وإن بنية النواة المركزية كانت من النوع الكوفي : كان القصر يفتح على المسجد ، وقامت غير بعيد من ذلك أسواق متخصصة « 4 » . مع الفارق أن البناء تم على نطاق أعظم ، ولا شك أنه كان أكثر تهذيبا . كانت أقيسة القصر المربع « 5 » ، 400 ذراع * 400 ذراع ، وكان المسجد أصغر من ذلك ( 200 * 200 ) . إن هذه الأقيسة مساوية تماما لما سيتم في بغداد وأكثر مما كانت عليه في الكوفة . كانت السوق غير بعيدة عن القصر ، وعالية التخصص « 6 » وقيل أنها كانت متسعة كثيرا . لكن عدد الصنائع المذكورة في المصادر غير هام جدا « 7 » ، وهذا دليل واضح على الفارق الموجود بين الأهداف التي قصدها الحجاج وواقع الاستقرار . وقد فرضت الأمور تسلسلا مع الكوفة ، في تصور المركز هذا . لكن كافة الأشياء

--> ( 1 ) اليعقوبي ، كتاب البلدان ، ص 322 ؛ ابن رسته ، الأعلاق النفيسة ، ص 187 . ( 2 ) كتاب البلدان ، ص 322 ، تحدث المؤلف عن مدينة قديمة ومدينة جديدة وعن إحاطة السور بالمدينة الجديدة فقط . ومن المعلوم أن ابن هبيرة قاوم فيها حصارا مضروبا عليها . وتحدث بحشل عن سورين وخندق : ص 43 ، وذكر ياقوت خندقين وسورا : مادة « واسط » . ( 3 ) فتوح البلدان ، ص 288 ؛ كتاب البلدان ، ص 322 ؛ الأعلاق النفيسة ، ص 187 . ولم يرد ذلك في كتاب التاريخ . ( 4 ) التاريخ ، ص 43 . ( 5 ) ياقوت ، مادة واسط ؛ Grabar , art . cit . , p . 105 ; Lassner , ouvr . cit . , pp . 133 , 189 ( 6 ) التاريخ ، ص 44 : معلومات هامة . ( 7 ) ذكر بحشل عشر صناعات ، وكان التفوق للصرافين .